عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
351
اللباب في علوم الكتاب
ومعلوم أنّ هذه الأشياء لا تنطق ، وحدّ الكذب الإخبار عن الشّيء بخلاف ما هو به . ومن قال : في القرآن مجاز : سمّى هذا عدوانا مجازا على طريق المقابلة كقول عمرو بن كلثوم : [ الوافر ] 974 - ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا « 1 » وقول الآخر : [ الطويل ] 975 - ولي فرس للحلم بالحلم ملجم * ولي فرس للجهل بالجهل مسرج ومن رام تقويمي فإنّي مقوّم * ومن رام تعويجي فإنّي معوّج « 2 » يريد أكافىء الجاهل والمعوجّ لا أنّه امتدح بالجهل والاعوجاج . قوله « واتّقوا » قد تقدّم معنى « التّقوى » . وقوله : « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » ، أي : بالمعونة ، والنّصرة ، والحفظ ، وهذا من أقوى الدّلائل على أنّه ليس بجسم ، ولا في مكان ؛ إذ لو كان جسما ، لكان في مكان معيّن ؛ فكان إمّا أن يكون مع أحد منهم ، ولم يكن مع الآخر ، أو يكون مع كلّ واحد من المتّقين جزء من أجزائه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 195 ] وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 ) اعلم أنّ تعلّق هذه الآية الكريمة بما قبلها من وجهين : الأول : أنّه تعالى ، لمّا أمره بالقتال وهو لا يتيسّر إلّا بآلات وأدوات يحتاج فيها إلى المال ، وربّما كان ذو المال عاجزا عن القتال ، وكان الشّجاع القادر على القتال عديم المال فقيرا ، فلهذا أمر اللّه تعالى الأغنياء بأن ينفقوا على الفقراء الّذين يقدرون على القتال « 3 » . والثاني : يروى أنّه لمّا نزل قوله تعالى : « الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ، وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ » قال رجل من الحاضرين : واللّه ، يا رسول اللّه ما لنا زاد ، وليس أحد يطعمنا ؛ فأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم وشرّف ، وكرّم ، وبجّل ، وعظّم - أن ينفقوا في سبيل اللّه ، وأن يتصدّقوا وألّا يكفّوا أيديهم عن الصّدقة ، ولو بشقّ تمرة تحمل في سبيل اللّه فيهلكوا ، فنزلت الآية الكريمة على وفق رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم وشرّف ، وكرّم ، وبجّل ، وعظّم - « 4 » .
--> ( 1 ) تقدم برقم 214 . ( 2 ) ينظر : القرطبي 2 / 238 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 115 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 115 .